ابراهيم بن عمر البقاعي
679
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
المستجمع لصفات الكمال وحده فلا يحق الإلهية إلا له ؛ ولما كان هذا معنى الكلام ، سبب عنه قوله : فَأَنَّى أي فكيف ومن أيّ وجه تُؤْفَكُونَ * أي تصرفون وتقلبون عما ينبغي اعتقاده . ولما وصف سبحانه وتعالى نفسه المقدسة من فلق الجواهر بما اقتضى حتما اتصافه بصفات الكمال ، وقدمه لكونه من أظهر أدلة القدرة على البعث الذي هذا أسلوبه ، مع الإلف له بقربه ومعالجته ، أتبعه ما هو مثله في الدلالة على الإحياء لكنه في المعاني وهو سماوي ، شارحا لما أشار إليه الخليل عليه السّلام في محاجة قومه من إبطال إلهية كل من النور والظلمة والكواكب التي هي منشأ ذلك ، فقال ترقية من العالم السفلي إلى العالم العلوي : فالِقُ الْإِصْباحِ أي موجده ، وحقيقته : فالق ظلمة الليل عن الصباح ، لكنه لما كثر استعماله وأمن اللبس فيه أسند الفعل إلى الصبح ، كما يقال : انفجر الصبح ، وانفجر عنه الليل ، ويمكن أن يراد بالفلق الكشف ، لأنه يكشف من المفلوق ما كان خفيا ، فعبر عن المسبب الذي هو الإظهار بالسبب الذي هو الفلق ، وعبر عن الصباح بهذه الصيغة التي يقال المدخول في الصبح لتصلح لإرادة فلق السكون بالنور أو غيره عن التصرف بالحركة المرتبة على الدخول في الصبح ، فدلنا ذلك على وجاعل الإصباح حركة وسادل الليل وَجَعَلَ اللَّيْلَ بما يكون من إظلامه سَكَناً يسكن الناس فيه وإليه ويستريحون فيه ، فالآية من الاحتباك : حذف من الأول الحركة ودل عليها بالسكن ، وحذف من الثاني السدل ودل عليه بالفلق ، وهذا الفلق من أعظم الدلائل على قدرته سبحانه ، وفيه دلالتان لأن الإصباح يشمل الفجر الكاذب والصادق ، والأول أقوى دلالة لأن مركز الشمس إذا وصل إلى دائرة نصف الليل فالموضع - الذي تكون تلك الدائرة أفقا له - تطلع الشمس من مشرقه ، فيضيء في ذلك الموضع نصف كرة الأرض ، فيحصل الضوء في الربع الشرقي من بلدتك ، ويكون ذلك الضوء منتشرا مستطيرا في جميع الجو ، ويجب أن يقوى لحظة فلحظة ، فلو كان الأول من قرص الشمس لامتنع أن يكون خطا مستطيلا ، بل كان يجب أن يكون مستطيرا في الأفق منتشرا متزايدا لحظة فلحظة ، لكن ليس هو كذلك ، فإنه يبدو كالخيط الأبيض الصاعد حتى شبهته العرب بذنب السرحان ثم يحصل عقبه ظلمة خالصة ، ثم يكون الثاني الصادق المستطير فكان الأول أدل على القدرة ، لأنه بتخليق اللّه ابتداء تنبيها على أن الأنوار ليس لها وجود إلا بإبداعه ، والظلمات ليس لها ثبات إلا بتقديره . ولما ذكر الضياء والظلمة ، ذكر منشأهما وضم إليه قرينه فقال عاطفا على محل و اللَّيْلَ لأن جاعلا ليس بمعنى المضيء فقط لتكون الإضافة حقيقية ، بل المراد